الشيخ محمد رشيد رضا

114

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بدأ موسى عليه السّلام جوابه لقومه باثبات جهلهم بربهم وبأنفسهم ، وثنى ببيان فساد ما طلبوه وكونه عرضة للتبار والزوال ، وباطلا في نفسه على كل حال ، فلا الطالب على علم وعقل فيما طلب ، ولا المطلوب مما يصح أن يطلب ، ( ضعف الطالب والمطلوب ) فهذا ملخص معنى الآية السابقة ثم انتقل في هذه الآية إلى المطلوب منه جعل الاله لهم - وهو هو عليه السّلام - والمطلوب لأجله هذا الجعل - وهو اللّه تعالى - وموسى على الحق واللّه تعالى هو الحق والذي يحق الحق ، وبين هذين الحقين وذينك الباطلين غاية المباينة فلذلك كان هذا جوابا مستقلا مباينا لما قبله بحيث لا ينبغي أن يعطف عليه عطفا ، ولا أن يعد معه عدا ، ولهذا أعاد فيه كلمة « قال » كما سنبينه . وقد قدم فيه ذكر الأهم الأفضل المقصود بالذات من هذين الحقين فقال ( أغير اللّه ) فغير اللّه أعم الالفاظ الدالة على المحدثات فهو يشمل اخس المخلوقات واعجزها عن النفع والضر كالأصنام ، ويشمل أفضلها وأكملها كالملائكة والنبيين عليهم السّلام ، ليثبت أنه لا يوجد مخلوق يستحق العبادة مع اللّه تعالى وان علا قدره ، وعظم أمره ، وان تجهيلهم بما طلبوا لا لان المطلوب كالأصنام خسيس وباطل في نفسه ، وعرضة للتبار فلا فائدة فيه لغيره ، - لا لهذا فقط - بل لان العبادة لا يصح أن تكون لغير اللّه تعالى البتة ، مهما يكن غيره مكرما عنده ، ومفضلا على كثير من خلقه ، على أن طلب عبادة الأخس ، دليل على منتهى الخسة والجهل ، إذ لا شبهة توهم قدرته على الإثابة أو التقريب من اللّه عز وجل ، كشبهة من عبدوا الملائكة وبعض النبيين والصالحين ، زاعمين انهم بكرامتهم عند اللّه يقربون اليه من قصر به إيمانه وعمله ان يتقرب اليه بنفسه ، مع إصراره على خبثه ورجسه ، جاهلين ان اللّه تعالى امر المشركين والفاسقين ، ان يتوبوا اي يرجعوا اليه لا إلى غيره من عباده المكرمين ، وان يدعوه وحده كدعائهم مخلصين له الدين ، وان يخصوه مثلهم بالعبادة والاستعانة وذلك ما فرضه علينا في صلاتنا بقوله ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وبعد ان قدم المقصود بالذات من الانكار وهو جعل غير اللّه الها ذكر من أرادوا ان يكون الواسطة في هذا الجعل ، الذي دعا اليه ذلك الجهل ، وهو نفسه عليه السّلام بقوله ( أبغيكم إلها ) ليعلمهم أن طلب هذا الامر الامر